/ كل المواضيع
/ شاركه على:
كل من يكتب بشكل جدی اختبر نوعاً من الكتابة يبدو بلا عناء -حيث تدفق الأفكار بسرعة، والكلمات تنساب بطبيعتها، وساعة واحدة من العمل تنتج شيئاً تفخر به حقاً. لكن معظم الكتّاب اختبروا أيضاً العكس تماماً؛ تلك الجلسات التي تشبه خلع الأسنان، حيث تتطلب كل جملة جهداً لا يتناسب أبداً مع النتيجة النهائية.
الفرق بين الكتّاب الذين ينشرون بانتظام وئولك الذين لا يفعلون ذلك لا يكمن عادةً في الموهبة أو أخلاقيات العمل، بل في العادات. فالكتّاب الذين يظهرون بانتظام قد بنوا أنظمة تجعل الكتابة تحدث بغض النظر عن توفر الإلهام -أنظمة تقلل عقبات البداية، وتحافظ على زخْم الاستمرار، وتجعل الاستمرارية هي الوضع الافتراضي لا الاستثناء.
إليك شكل هذه العادات على أرض الواقع.
يكتبون في نفس الوقت كل يوم
يتعامل الكتّاب الأكثر استمرارية مع الكتابة كموعد رسمي -وقتاً محدداً في اليوم مخصصاً للكتابة وحدها، وليس وقتاً يكتبون فيه عند الانتهاء من كل شيء آخر، بل هو كتلة زمنية محمية تتكيف بقية الأمور حولها.
الوقت المحدد بحد ذاته أقل أهمية من ثباته. فكتّاب الصباح يشيرون إلى غياب إرهاق اتخاذ القرار والهدوء الذي يسبق تراكم متطلبات اليوم، بينما يشير كتّاب المساء إلى التحرر الإبداعي الذي يأتي بعد اكتمال الأجزاء المنظمة من اليوم. الأبحاث حول أوقات الكتابة المثلى غير حاسمة، ولكن ما يثبت صحته باستمرار هو أن الكتّاب الذين يمتلكون وقتاً منتظماً للكتابة يكتبون أكثر بكثير ممن يكتبون كلما وجدوا وقتاً لذلك.
هذه العادة تنجح لأنها تزيل القرار اليومي بشأن موعد الكتابة. فإرهاق اتخاذ القرار أمر حقيقي، ومسألة تحديد وقت الكتابة -إذا تركت بلا حسم- غالباً ما تحسم لصالح عدم الكتابة نهائياً. فالوقت المحدد يلغي ذلك القرار؛ فالكتابة تحدث في هذا الوقت تماماً كما تحدث الالتزامات الدورية الأخرى في أوقاتها.
يبدؤون قبل أن يشعروا بأنهم مستعدون
الشكل الأكثر شيوعاً لتجنب الكتابة ليس التسويف بمعناه الواضح، بل هو التحضير والإعداد؛ كالبحث الذي يستمر أطول من اللازم، أو إعداد مخططات لا تنتهي تماماً، أو إعادة قراءة الأعمال السابقة كإحماء يتحول إلى جلسة تعديل وتنقيح. كل ذلك يبدو وكأنه نشاط مثمر مرتبط بالكتابة، ولكنه ليس كتابة أبداً.
الكتّاب المستمرون تعلموا كيف يبدؤون قبل أن يشعروا بالاستعداد التام. يفتحون المستند ويكتبون شيئاً ما -أي شيء- دون انتظار الشروط التي تبدو ضرورية لبدء كتابة جيدة. الجمل الأولى غالباً ما تكون سيئة، وهذا أمر طبيعي تماماً؛ فالجمل الأولى السيئة يمكن تعديلها، أما الصفحة الفارغة فلا يمكن إصلاح مالم يُكتب عليها شيء.
ممارسة البدء قبل الشعور بالاستعداد تصبح أكثر سهولة عندما تترك لنفسك نقطة عودة واضحة في نهاية كل جلسة -جملة أو جملتان لم تُكتَملا، أو ملاحظة حول ما يأتي لاحقاً، أو سؤال محدد تحتاج الجلسة القادمة للإجابة عليه. الانتقال إلى خطوة تالية محددة أسهل بكثير من مواجهة صفحة بيضاء مفتوحة بلا نهاية.
يفصلون بين الصياغة (الكتابة الأولى) والتعديل
من أكثر عادات الكتابة هدماً للاستمرارية هي التعديل أثناء الصياغة -التوقف لمراجعة جملة قبل الانتقال إلى التالية، أو إعادة القراءة والتعديل أثناء السير، مما يسمح للناقد الداخلي بإبطاء أو إيقاف إنتاج المواد الجديدة.
الكتّاب المستمرون استوعبوا تماماً الفصل بين الصياغة والتعديل كحالتي إدراك مختلفتين لا تعملان بشكل جيد في وقت واحد. الصياغة هي عملية توليدية -التقدم للأمام، وضع الأفكار على الصفحة، وعدم التوقف للتقييم. أما التعديل فهو عمل نقدي -تقييم الموجود، تحسين ما يمكن تحسينه، وإزالة ما لا ينبغي أن يكون هناك.
مزج هذين الوضعين ينتج عنه كتابة بطيئة الصياغة وليست أفضل بوضوح نتيجة التعديل الذي حدث أثناءها. أما الاحتفاظ بالفصل بينهما -الكتابة في وضع يتجنب التقييم، ثم التعديل في مرحلة لاحقة بعد اكتمال المسودة- فينتج مواد أكثر وبسرعة أكبر، مع تعديل يمتلك المسودة الكاملة للعمل عليها بدلاً من أجزاء مبعثرة منها.
العادة العملية هنا هي تعطيل مفتاح الحذف (Delete) أثناء الصياغة -ليس حرفياً، بل كمبدأ: اكتب متقدماً للأمام، واجعل الجمل السيئة تبقى مكانها لتُصلح لاحقاً. تنتهي جلسة الصياغة عند اكتمال المسودة، وليس عند رضاك عن كل جملة على حدة.
يمتلكون بيئة ثابتة للكتابة
البيئة المادية والرقمية للكتابة تؤثر على جودة الكتابة واستمراريتها بأكثر مما يعترف به معظم الكتّاب. فبيئة تحتوي على مصادر متعددة لتشتيت الانتباه -كالإشعارات، وعلامات تبويب المتصفح المفتوحة، والضوضاء المحيطة- تشتت التركيز الذي تتطلبه الكتابة المتواصلة.
الكتّاب المستمرون صمموا بيئة كتابتهم بعناية؛ موقع معين مرتبطة بوجوده الكتابة (مكتب، كرسي، أو مقهى معين) يعمل كإشارة سياقية بأن الكتابة تحدث هنا؛ وتطبيقات ومواقع تشتت الانتباه مغلقة أو محجورة أثناء جلسات الكتابة؛ وإعدادات تقلل الاحتكاك -كفتح المستند، وتوفير المراجع، وتجهيز الأدوات- لتصبح بداية الكتابة سهلة قدر الإمكان.
هذا التصميم البيئي لا يتعلق بالعثور على ظروف مثالية، بل بتقليل عدد المقاومات الصغيرة التي تتجمع لتعمل معاً على جعل البدء أصعب مما ينبغي. وكل تقليل للاحتكاك هو زيادة صغيرة في احتمالية حدوث الكتابة في الأيام التي يقل فيها الحفز والدافع -وهي معظم الأيام.
يكتبون أكثر مما ينشرون
الكتّاب الذين ينشرون باستمرار يميلون إلى كتابة كميات تفوق بكثير ما ينشرونه. فليس كل ما يُكتب مخصصاً للنشر -كالتدوينات الشخصية، والكتابة الاستكشافية، والملاحظات التي تتطور إلى شيء ما لاحقاً أو لا تتطور أبداً- والكتّاب الذين يحافظون على عادة الكتابة بغض النظر عن كون النتيجة قابلة للنشر يمتلكون رصيداً أوفر من المواد مقارنة بمن لا يكتبون إلا عندما يكون لديهم عمل جاهز للنشر.
هذا الفائض مهم لأنه يحرر عادة الكتابة من ضغط النشر. تصبح الكتابة شيئاً تمارسه بغض النظر عما إذا كانت جلسة اليوم ستنتج شيئاً قابلاً للنشر، مما يسهل الحفاظ على العادة خلال الفترات المحتومة التي لا يأتي فيها إلهام جيد، ويصعب تبرير التوقف عندما يكون الإنتاج دون معاييرك.
كما ينتج عن هذا الفائض قيمة غير متوقعة؛ فالأفكار التي طُورت في جلسات الكتابة الاستكشافية تصبح أساساً لمقالات منشورة بعد أشهر، والروابط التي صُنعت في المذكرات تظهر فجأة في المقالات. فالكتابة التي تمارسها دون جمهور محدد غالباً ما تحدث فيها أعمق الأفكار وأكثرها إثارة للاهتمام.
يحمون وقت الكتابة من كل شيء آخر
العادة الأخيرة التي تميز الكتّاب المستمرين هي تلك التي تجعل جميع العادات الأخرى ممكنة -وهي الاستعداد لحماية وقت الكتابة من المطالب المتراكمة لكل شي آخر.
البريد الإلكتروني، وسائل التواصل الاجتماعي، الاجتماعات، والمهام الإدارية؛ كلها أمور تتمدد لتملأ أي وقت غير محمي بوضوح. الكتّاب المستمرون يتعاملون مع وقت الكتابة كالتزام تتكيف حوله الأمور الأخرى، وليس كأفضلية يمكن للأمور الأخرى تجاوزها.
هذه الحماية ليست مريحة دائماً؛ فهي تتطلب قول "لا" لأشياء تبدو عاجلة، وتتطلب إحباط توقعات بعض الناس أحياناً، وتتطلب القناعة بأن الكتابة مهمة بما يكفي لتحميتها -وهي بحد ذاتها عادة عقلية تتطور عبر ممارسة حمايتها المستمرة.
الكتّاب الذين يحمون أوقات كتابتهم ليسوا أكثر انضباطاً من الآخرين، بل اتخذوا قراراً بأن الكتابة أولوية، ونظموا التزاماتهم لتعكس ذلك القرار. فالعادات تأتي تابعة للقرار، والاستمرارية تأتي تابعة للعادات.
/ الأسئلة الشائعة
ما هي أهم عادة كتابة يجب تطويرها أولاً؟
كيف أكتب بانتظام عندما لا أشعر بالإلهام؟
كم يجب أن تكون مدة جلسة الكتابة اليومية؟
هل يجب أن أعدل أثناء الكتابة أم بعدها؟
كيف يتعامل الكتّاب المستمرون مع العوائق الإبداعية؟
/ المقال السابق
/ المقال التالي
اشترك في سَرْد
احصل على أحدث المقالات والأدلة والرؤى مباشرة في بريدك — مختارة لصنّاع المحتوى الذين يريدون البقاء في المقدمة.




